الشيخ حسن المصطفوي
124
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
وليعلم أنّ ما في هذه الدنيا المادّية من الأكل والنعم والثمرات واللذائذ والمشتهيات ، كلَّها في مراتب نازلة عن النعم الاخرويّة المتقدّمة مرتبة والمتأخرة زمانا ، وهي متشابهة بهذه النعم الدنيويّة في الصور ، المتفاوتة المختلفة معها في الموادّ خشونة ولطافة ، وشيئيّة الشيء بصورته لا بمادّته . والألفاظ موضوعة في مقابلة المعاني الموجودة في هذا العالم ، لأنّها هي المتصوّرة المعقولة في الأذهان ، وأمّا الموضوعات ومفاهيم عالم الآخرة فلم توضع لها ألفاظ وكلمات ، لأنّها غير مدركة لنا ، نعم تطلق عليها هذه الألفاظ والكلمات بمرءاتية المعاني الموجودة . وأمّا على ما قلنا من أنّ الألفاظ موضوعة في قبال مطلق المفاهيم ، وأنّ الوضع أمر إلهيّ والدلالة قريبة من الذاتيّة : فتنتفي الشبهات . ومن هذه الكلمات : الجنّة ، النهر ، اللبن ، العسل ، الماء ، النار ، وغيرها . فجنّة الآخرة : هي جنّة عالية ، وجنّة الخلد ، وخير مستقرّ ، وعرضها كعرض السماوات والأرض ، وجنّة النعيم ، تجري من تحتها الأنهار ، جنّة عدن ، جنّة فردوس ، الَّذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنّات المأوى . وسيجئ البحث عن كلّ منها في مورده بتأييده وتوفيقه تعالى . وأمّا الجنان : فباعتبار كون القلب متواريا ومغطَّى في بدن الإنسان . وامّا الجنّ : فهو مخلوق في مقابل الإنس ، أي من كان غير مأنوس مع أفراد الإنسان ، ومتواريا عن أنظارهم ومغطَّى عنهم ، وهم مكلَّفون وذو عقول ، موحّدون وكافرون ، * ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) * ، فقالوا . * ( إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِه ِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً ) * ، * ( وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ ) * ، * ( وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ ) * ، * ( وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ ) * ، * ( وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ ) * - 6 / 112 . ومبدأ تكوّن الجنّ من النار ، كما أنّ ومبدأ تكون الإنس من التراب ، فانّ التراب يكون طينا وصلصالا وحمأ ، كما أنّ النار يتفرّع منها التوقّد والحرارة والنور